محمد بن الطيب الباقلاني

165

الإنتصار للقرآن

كثير من المهاجرين ثم من الأنصار قد حفظوا جميع القرآن وجمعوه ، وأحاطوا به حتى لم يذهب عليهم شيء منه ، بل يجب أن تكون هذه حال كافة أهل العلم والفضل والهجرة والسابقة من الصحابة ، فإذا لم يكن الأمر على هذا علم أنّ الحجّة لم تقم بهذه الأخبار التي رويتموها ، وأن الأمر في حال القرآن وتعظيم شأنه لم يكن عند القوم ولا في صدر الشريعة على ما وصفتم ، والأخبار قد تظاهرت من الجهات المختلفة بأن الذين جمعوا القرآن على عهد رسول اللّه صلّى اللّه عليه كانوا أربعة نفر فقط أو خمسة ، وهذه الأخبار هي من طرقكم ورواياتكم ، وعن الرجال الذين توثّقون نقلهم وتسكنون إلى أخبارهم ، فروى الحكم « 1 » عن مقسم « 2 » عن ابن عباس قال : « جمع القرآن على عهد رسول اللّه صلّى اللّه عليه أربعة : معاذ بن جبل ، وأبيّ بن كعب ، ومجمع بن جارية ، وسالم مولى أبي حذيفة ، وكان ابن مسعود قرأ على رسول اللّه صلّى اللّه عليه سبعين سورة » ، في أمثال لهذا الخبر كلّها وردت بأنّ قدر عدد الذين جمعوا القرآن على عهد رسول اللّه صلّى اللّه عليه ما ذكرناه ، وهذا نقيض ما ادّعيتموه . يقال لهم : جميع ما قدّمناه من أحوال الصحابة وشدّة تديّنهم وتمسّكهم بالدين والقرآن وتحفّظه وتلقّنه ، والإقبال عليه ، وحثّ الرسول عليه السلام لهم على حفظه ودراسته ، وإنفاذ الدّعاة به ، إلى غير ذلك مما وصفناه ، مما

--> ( 1 ) هو الحكم بن عتيبة الكندي مولاهم ، فقيه الكوفة ، عابد قانت ثقة صاحب سنّة ، توفي سنة 115 هجرية . « الكاشف » . ( 2 ) هو مقسم بن بجرة ، عن ابن عباس وعائشة ، وعنه الحكم وخصيف وعبد الكريم توفي سنة 101 هجرية ، كان يقال له : مولى ابن عباس للزومه له ، قال عنه ابن حجر : صدوق وكان يرسل . « الكاشف » ( 3 : 152 ) .